محمد بن عبد الملك الشنتريني الأندلسي ( ابن السراج )
765
جواهر الآداب وذخائر الشعراء والكتاب
الفصحاء ، مع أنّ فضله محسوس ؛ لأنّه ممّا ترتاح إليه النّفوس . وأمّا القرآن ، فقد جمع بين الأمرين ، وحاز الفضيلتين ، أعني تحسين الوزن ، وتصرّف النّثر ، بل زاد القرآن بمخالفته لسائر الأوزان . فصل وإنّ ترقّي إلإنسان في درجات البلاغة والبيان لما يرقيه في الإنسانيّة ، ويباعده ، ويقصيه عن البهيميّة ، ولهذا قيل : المرء تحت لسانه مخبوء وقيل : المرء بأصغريه « 1 » : قلبه ولسانه » . وترجمانه اللّسان والكتب . وقد قالت الفلاسفة في حدّ الإنسان : « إنّه الحيّ النّاطق » ، « 2 » فميّزوه بالحياة عن الجمادات ، وبالنّطق عن سائر الحيوانات ، وزاد بعضهم : « المائت » ؛ ليفصلوه عن القديم تعالى . فأيّ فضيلة أسنى وأعلى من فضيلة يشارك بها القديم جلّ وعلا ؟ ولّما كانت البلاغة نظما ونثرا ، وكان النثر أعظمها وأكملها قدرا ، وجب صرف الهمّة إلى ذكر أصوله ، والتّنبيه على ما يعين على تحصيله . وقد بيّنّا في أول الكتاب تركيب الألفاظ والمعاني ، وما يستحسن فيه ، وما يستقبح ، وبدأنا « 3 » بالشعر ؛ لأن مرامه أصعب ، وصفات البلاغة فيه أعمّ وأوجب ، ورأينا أن لا ينخلي هذا النّوع من ذكر جمل يحتاج إليها ، ولا يستغنى عن الوقوف عليها .
--> ( 1 ) بالمخطوط : « المرء أصغريه خطأ . ( 2 ) في ( البيان والتبيين 1 / 77 ، 170 ) : وقال صاحب المنطق : حدّ الانسان : الحيّ النّاطق المبين » ، والقول في ( العقد 4 / 189 ، والعمدة 1 / 418 ) ، وفيها : « . . . الحيّ النّاطق الميّت » . ( 3 ) بالمخطوط : « وبدأ » .